فرسان نيوز- تجددت المعارك في مدينة حلب حيث يتعرض آخر جيب تحت سيطرة الفصائل المعارضة لوابل من القصف الجوي والمدفعي، ما يبدد آمال الالاف السكان الذين كانوا يأملون ان يتم اجلاؤهم أمس الاربعاء بموجب اتفاق تركي روسي.
ومع تزايد مخاوف المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية على مصير المدنيين، يعيش السكان في اخر جيب يتحصن فيه مقاتلو المعارضة في حلب، ظروفا مأساوية بعدما وجدوا انفسهم محاصرين تحت النيران اثر تجدد المعارك ظهرا بعدما كانت توقفت منذ الثلاثاء. ويتكدس آلاف المدنيين في حي المشهد واجزاء من الاحياء الاخرى المحيطة به، بعضهم لا مأوى له، ينامون في الشوارع. ويعاني الجميع من الخوف والجوع والبرد.
وقال مراسل لفرانس برس أمس انه شاهد عددا كبيرا من السكان يهربون مذعورين في الشوارع اثر تجدد القصف أمس من دون إيجاد مأوى يلجأون اليه. وسارع اخرون الى الاحتماء في مداخل الابنية المهدمة خشية من استهدافهم. وتحدث عن قصف «هائل» بالمدفعية والصواريخ والطيران الحربي يطال المنطقة. ونقل مشاهدته لدبابة تابعة لقوات النظام اثناء اطلاقها القذائف. وافاد مدير المرصد السوري لحقوق الانسان رامي عبد الرحمن بـ»حالة خوف شديدة» لدى المدنيين. وعلق على تدهور الوضع الميداني «القصف عنيف والاشتباكات على اشدها.. الامور عادت الى نقطة الصفر».
وتساقطت عشرات القذائف أمس على مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، تزامنا مع غارات سورية كثيفة وتجدد الاشتباكات العنيفة، ما تسبب بمقتل شخصين على الاقل، وفق المرصد السوري. وردت الفصائل باطلاق القذائف على الاحياء الغربية تحت سيطرة وقات النظام، ما تسبب بمقتل سبعة مدنيين على الاقل واصابة آخرين بجروح، وفق التلفزيون السوري الرسمي.
وياتي التصعيد بعد ساعات على انتظار الآلاف من المدنيين ومقاتلي المعارضة فجرا بدء إجلائهم من شرق حلب بموجب اتفاق تم التوصل اليه برعاية روسية تركية، الا ان عملية الاجلاء لم تبدأ في موعدها المفترض عند الخامسة فجرا (3,00 ت غ) وتم تعليق الاتفاق بعد ساعات عدة. وتمكنت قوات النظام من السيطرة أخيرا على أكثر من تسعين في المئة من الاحياء التي كانت تحت سيطرة الفصائل المعارضة منذ العام 2012، ما يعد ضربة قاضية للمعارضة منذ بدء النزاع قبل اكصر من خمسة اعوام.
وقالت لجنة التحقيق التابعة للامم المتحدة حول سوريا أمس انها تلقت مزاعم تشير الى منع مجموعات مسلحة في شرق حلب المدنيين من مغادرة المدينة لاستخدامهم دروعا بشرية. واوضحت اللجنة في بيان انها «تلقت مزاعم بشان مجموعات معارضة بينها فتح الشام الارهابية (النصرة) واحرار الشام، تشير الى منعهم مدنيين من المغادرة، وايضا بشأن اختلاط مسلحي المعارضة بالاهالي ما يزيد من تعرض المدنيين لمخاطر القتل او الاصابة». وجبهة فتح الشام هي الفرع السابق للقاعدة في سوريا، كما ان احرار الشام تنظيم مسلح اسلامي. وكان المتحدث باسم مفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان روبرت كولفيل ندد الجمعة الماضي بجبهة فتح الشام وكتائب ابوعمارة اللتين اعدمتا بحسب العديد من المصادر، مدنيين حاولوا الفرار مما تبقى من احياء بيد مسلحي المعارضة في شرق حلب. ولجنة التحقيق حول سوريا هيئة مستقلة انشأتها الامم المتحدة عام 2011 لجمع ادلة عن انتهاكات حقوق الانسان في سوريا. وفوضها مجلس حقوق الانسان في تشرين الاول التحقيق في الوضع في حلب. وتحدثت اللجنة في تقريرها عن «معلومات عديدة بشان انتهاكات للقوات الموالية للحكومة السورية (..) وخصوصا اعدامات ميدانية وتوقيفات تعسفية وحالات فقدان اشخاص وتجنيد شبان بالقوة» مشيرة الى «ان الاستهداف يشمل على ما يبدو الرجال الذين هم في سن القتال». واكدت اللجنة ان الحكومة السورية مع حلفائها «تسيطر فعليا على شرق حلب وهي بالتالي مسؤولة عن منع هذه الانتهاكات بما فيها عمليات انتقامية محتملة». وختمت اللجنة تقريرها بالقول «في هذه اللحظة يجب استبعاد وهم امكانية تحقيق نصر عسكري».
كما حمل الجيش الروسي مقاتلي المعارضة مسؤولية خرق الهدنة، مؤكدا استئناف قوات النظام عملياتها العسكرية، فيما اتهمت انقرة النظام بتأخير تنفيذ الاتفاق.
وفي وقت لاحق، اعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أمس انه سيتصل بنظيره الروسي فلاديمير بوتين مساء، لمحاولة انقاذ الهدنة. وقال ان وقف اطلاق النار هو «آخر امل» لشعب حلب «البريء». وعبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن امله في «تسوية الوضع» في شرق حلب خلال يومين أو ثلاثة أيام، مضيفا ان «المقاتلين سيتوقفون عن المقاومة بعد يومين أو ثلاثة ايام».
وقال لافروف إن موقف واشنطن في المفاوضات مع روسيا بشأن سوريا يعتمد على رغبتها في تجنيب «جبهة النصرة» الضربة، واصفا هذه المفاوضات بأنها «جلسات عديمة الجدوى». واضاف لافروف في كلمة ألقاها أمام المشاركين في منتدى «الحوار من أجل المستقبل»، في موسكو أمس «أعول على أن ينهي المسلحون في حلب المقاومة خلال يومين أو ثلاثة أيام. وتابع ان الجانب الروسي يجري محادثات مع كافة الجماعات المسلحة الموجودة «على الأرض باستثناء تنظيمي داعش وجبهة النصرة الإرهابيين». وقال ان بلاده تجري كذلك حوارا مع كافة دول المنطقة، مشيرا إلى أن التعاون مع تركيا حول سوريا يمكن أن يكون أكثر فعالية. واعرب عن امله بتسوية الوضع في شرق حلب خلال يومين أو ثلاثة أيام.
وتبادل طرفا النزاع بدورهما الاتهامات بشان تعطيل الاتفاق الذي كان ينص على خروج المدنيين والجرحى في دفعة اولى على ان يتبعهم المقاتلون مع اسلحتهم الخفيفة الى ريف حلب الغربي او محافظة ادلب (شمال غرب). وقال مصدر قريب من السلطات في دمشق «علقت الحكومة السورية اتفاق الاجلاء لارتفاع عدد الراغبين بالمغادرة من الفي مقاتل الى عشرة الاف شخص». وتطالب الحكومة وفق المصدر «بالحصول على قائمة باسماء جميع الاشخاص المغادرين للتأكد من عدم وجود رهائن او سجناء» تابعين لها في صفوفهم.
في المقابل، اكد ياسر اليوسف عضو المكتب السياسي لحركة نور الدين الزنكي، ابرز الفصائل المعارضة في حلب، لفرانس برس ان «الاتفاق الاساسي لم يتضمن تزويد النظام باسماء المغادرين» من شرق المدينة. واتهم «قوات النظام والايرانيين تحديدا بعرقلة تطبيق الاتفاق وربطه بملفات اخرى بينها مطالب تتعلق ببلدتي الفوعة وكفريا» المواليتين للنظام والمحاصرتين من الفصائل في محافظة ادلب.
وأمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما باتخاذ «إجراءات لخفض مستويات العنف» في سوريا ولا سيما في حلب. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش أرنست، إن أوباما عقد الليلة قبل الماضية اجتماعا مع فريق مستشاريه للأمن القومي، اطلع خلاله على المعلومات حول «المأساة الإنسانية في حلب». وفي هذا السياق أمر أوباما باتخاذ «كافة الإجراءات الضرورية بالتعاون مع الحلفاء والشركاء لخفض مستويات العنف، وتحسين الوصول الإنساني وتمكين جميع الموجودين داخل المدينة المحاصرة من الخروج منها في حال رغبوا في ذلك».
وغداة مطالبة واشنطن بـ»مراقبين دوليين حياديين» في حلب للاشراف على اجلاء المدنيين، طالب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، وفق ما اعلنت الرئاسة الفرنسية أمس، بـ»القيام بكل شيء لافساح المجال امام اجلائهم بكرامة وامن تحت اشراف مراقبين دوليين ومع وجود منظمات دولية». ويثير الوضع المأساوي للسكان المحاصرين في حلب مخاوف المجتمع الدولي، خصوصا بعد ابداء الامم المتحدة خشيتها من تقارير وصفتها بالموثوقة تتهم قوات النظام بقتل عشرات المدنيين بشكل اعتباطي، بينهم نساء واطفال، في شرق حلب.
وتكثفت أمس الدعوات في البرلمان الاوروبي في ستراسبورغ لمساعدة سكان حلب عشية قمة بين قادة الاتحاد الاوروبي. وقال منفريد ويبر زعيم حزب الشعب الاوروبي (يمين)، الكتلة الرئيسية في البرلمان الاوروبي، إن «مئات الاف الاشخاص يعيشون الجحيم على الارض». ودعا رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر «اطراف النزاع للنظر عبر ضباب الحرب ولو لوقت وجيز، ما يكفي اقله لتذكر إنسانيتها وان تسمح للمدنيين والنساء والاطفال بمغادرة (…) المدينة بامان».(وكالات).

ليست هناك تعليقات :