فرسان نيوز-د. بكر خازر المجالي-الشهيد وصفي التل المولود عام 1919 في كردستان في شمال العراق ووالدته هي الكردية منيفة ابراهيم بابان، عاش طفولته الاولى هناك، ومن ثم دراسته في مدرسة السلط،ولينتقل الى الجامعة الامريكية في بيروت وتكون هذه انطلاقة حياته السياسية مع حزب القوميين العرب.
الشهيد وصفي التل قصة شاهدة على حقيقة السياسة الاردنية الصحيحة والاصيلة التي ما تلوثت مطلقا منذ بدء تأسيس الدولة في عام 1921، مرورا بمواقف الاردنيين اولا من ثورات فلسطين التي توجت في ثورة عام 1936، والمشاركة الشعبية للعشائر الاردنية في حركة النضال الوطني الفلسطيني الى نشوب الحرب الرسمية عام 1948، وهذه كانت منعطفا عسكريا في حياة وصفي التل.
التحق وصفي في جيش الانقاذ الفلسطيني بقيادة فوزي القاوقجي في فوج اليرموك الرابع، واشترك في القتال الذي تمنى ان لا يتوقف، وان يكون قتالا مباشرا وحقيقيا لا ان يتحول الى اروقة المفاوضات ليكون التوقيع على اتفاقيات الهدنة التي هي اول اعتراف بحقيقة الوجود الصهيوني، وهذا ما كان الشهيد وصفي يتمنى ان لا يحصل ودعا لأن تبقى البندقية هي شعار كل عربي والاستشهاد او النصر هو هدفه النهائي.
اللفلفة والفبركة في تشكيل جيش الانقاذ الفلسطيني
استعير هذا العنوان من وصف الشهيد وصفي التل لجيش الانقاذ الفلسطيني في مطلع عام 1948، وقد اورد الشهيد وصفي هذا الوصف في كتابه فلسطين: دور العقل والخلق في معركة التحرير،وقد ورد النص كالتالي: « كانت الاشتباكات والمعارك تدور في جميع ارجاء فلسطين، وسرعان ما ظهر جليا ان جهد العرب لم يكن كافيا،ولم يساعد الجهد العربي وحدات جيش الانقاذ التي كانت تُشكل بسرعة وبصورة تشبه اللفلفة والفبركة المستعجلة، وعرقل مجهود القتال عند العرب الاختلاف على تولي القيادات والمنازعات القديمة التي برزت من جديد في صميم المجهود الحربي وكانت النتيجة ان انعدمت السيطرة على العمليات، كان كل ذي غيرة وحماسة وعن اخلاص وحسن نية يفتح الجبهة التي يريدها في الوقت والمكان الذي يريده. ولم تكن هناك خطة قتال شاملة تنسق هذه العمليات المنتشرة في اماكن مختلفة، ليعذرني القارئ عندما اقول ان هذا الحديث ليس سفرا للبطولات والتضحيات، وقد كانت كثيرة، وانما تاريخ معركة يفترض ان يكون هدفها تركيز الجهد والنصر لا لقصص البطولة والشجاعة الفردية « (انتهى الاقتباس )..
شكلت تجربة جيش الانقاذ للشهيد وصفي التل منعطفا حادا جعلته يرى انه يتناقض كثيرا مع حقائق ووقائع لا علاقة لها في جهد الاخلاص والتضحيات الصحيحة، ورأى ان العرب يرسمون مخطط هزيمة بانفسهم، ولا تعنيهم فلسطين مطلقا، ورأى ان الاردن والاردنيين وقيادة الملك عبدالله الاول هي التي تسير على النهج الصحيح، ومن هنا عندما عاد وصفي الى بيته الاردني كان يردد عن قناعة تامة مقولته الشهيرة «الاردنيون احسن العرب».
تجربة وصفي التل ما قبل العمل في الاردن أوصلته لقناعة حقيقية ان الاجواء العربية غير سليمة مع سيطرة المؤامرة والمصالح الضيقة، وان الكل يريد ان يتخلص من الاخر او ان يقوم بتصفيته، وشعر بحجم المعاناة الاردنية في مواجهة اعباء جسيمة بمفرده دون ساعد او مساندة، وعودته الى الاردن جعلته يقف في صف الوطن بحماسة وتصميم على حماية الاردن من كل الاخطار، ووجد في رجالات الاردن السند الحقيقي على كل صعيد.. رجال مثل ضيف الله الحمود وحابس المجالي وخليل السالم ومحمد عودة القرعان وهزاع المجالي اضافة لصديقه الشخصي المتلازم معه عبدالوهاب المجالي.
كان وصفي يعمل ويخطط ويدون افكاره في كتب منها كتابات في القضية العربية وكتيب صغير اسماه نكسة حزيران والتي كان يرفض دخول الاردن في هذه الحرب الخاسرة وكتاب دور العقل والخلق في معركة التحرير الذي افرد له مساحة من القراءة والتحليل.
سنوات تمضي على استشهاد وصفي التل، رئيس وزرائنا حين نالته يد الغدر والخيانة في 28 تشرين الثاني من عام 1971 في القاهرة وهو يشارك في اجتماعات مجلس الدفاع العربي كوزير دفاع اردني اضافة لكونه رئيس وزراء، وكان الشهيد قد اصر على الحضور رغم عدد من النصائح، ولكنه انطلق من واجب المسؤلية كعربي خبر القضية الفلسطينية وادرك حجم الصراع العربي الاسرائيلي، وهو الذي كان على مدى حياته مقاتلا ومناضلا سياسيا من اجل قضية فلسطين التي قدم لها كل ما يستطيع وعبر عن مواقفه التي تؤكد على حتمية النضال، وضرورة التخطيط لمواجهة الخطر والتحديات.
وصفي كان مناضلا في الميدان وخدم مع قوات الانتداب اولا قبل ان ينتقل الى الخدمة في جيش الانقاذ الفلسطيني، وقاد فوج اليرموك الرابع، وكان يراقب ما يجري على الواقع، واختلف مع فوزي القاوقجي قائد هذه القوات والذي حسب رؤيته لم يكن هذا القائد هو من يريد القتال الفعلي بقدر ما كان اسيرا لتعليمات واوامر تأتيه ممن لا يهمهم امر فلسطين.
دور العقل والخلق في معركة التحرير
حين كتب الشهيد وصفي التل كتابه «فلسطين دور العقل والخلق في معركة التحرير» هذا الكتاب الذي صدر عام 1967 تناول بكل جرأة احوال الصراع العربي الاسرائيلي، وادرك ان الموقف الاردني كان يتجه الى عدم وقف الحرب وعدم قبول الهدنة التي كانت هي فترة اعادة تنظيم القوات اليهودية واعادة ترتيب مواقعهم العسكرية، في الوقت الذي تم ممارسة الضغوط على سوريا ولبنان ومصر للتوقف عند خط التقسيم كما هو مرسوم في قرار 181 بل ان جيشا او اكثر قد كان متجاوزا لخط التقسيم فتراجع الى خلفه.
واذكر انني اعددت دراسة عن اغتيال الشهيد الملك المؤسس عبدالله الاول، وحاولت الاطلاع على الملف السري الموجود في دار الوثائق البريطانية حول هذا الموضوع، لأفاجأ بتمديد مدة حظر الاطلاع عليه لخمسة وعشرين سنة اضافية، وكتبت مقالا حول الموضوع لأتلقى اتصالا من شقيق الشهيد وصفي معالي الدكتور سعيد التل وقال انه اطلع على الملف ولم يكن فيه ما يمكن اعتباره سريا، ولكن معلومات اخرى لدي بان الاوراق السرية الخاصة تسحب منه الى ملف اخر، ولكن ما اريد ذكره هنا ان معالي الدكتور سعيد التل وجه سؤالا الي : هل تعرف ما هو السبب الحقيقي لاغتيال هزاع ووصفي ؟؟ وأردف مجيبا: هو بسبب اخلاصهم للقضية الفلسطينية، وقال هزاع كان يريد اقامة دولة فلسطينية فقضى عليه هذا المشروع، ووصفي كان يريد تنظيم المقاومة ضد العدو على مستوى الوطن العربي فقضى عليه ايضا مشروعه هذا»
الشهيد وصفي كان ينظر الى القضية الفلسطينية كقضية عربية، وجاءت دراسته في كتابه وهو واحد من دراسات اخرى اعدها وصفي، جاءت بناء على اسباب تلخص جانبا من فكر وصفي التل كما جاء في المقدمة في الصفحة 9 حين يقول:
« الاستمرار في طرح القضية الفلسطينية من باب المزاودات والمصلحة السياسية المباشرة واقتناعي العميق ان سبب المأساة في القضية الفلسطينية هو القصور العقلي العربي والخلق العربي خاصة بين الزعماء السياسيين العرب، ولا أمل في المستقبل الا في أن يتسلم العقل والخلق العربي زمام الامور..»
ويذكر وصفي ان الهزيمة العربية قد انتجت هزائم اخرى بايد عربية. فقد ازدادت وتيرة التشكيك والقاء التهم كيفما اتفق وزدنا من مصطلحات لو ولولا. ويقول في كتابه في الصفحة 14 :
« اجمعت معظم الدراسات والبحوث التي عددت اسباب هزيمة العرب في فلسطين على ان الهزيمة كانت مفاجئة ومذهلة على نحو لم يتوقعه احد، بعض هذه البحوث اغرق في عبارات لو ولولا والبعض الاخر اخذ يتهم هذه الجهة او تلك بالتقاعس والعجز بل بالخيانة والتآمر، وتدنى بعض الباحثين لمستوى السخف والهزل، وقد استغلت جهات عربية واخرى معادية هذه البلبلة فاخذت تشجعها وتمدها بمزيد من وقود التزوير، كي يغرق العرب اكثر فأكثر في متاهات الشك والحيرة وفقدان الثقة بانفسهم وقادتهم الى ان ينتهي بهم الامر الى اليأس من الجولات المقبلة او التخاذل في اعداد انفسهم لها، وهذا ما يوشك ان يحدث «. انتهى الاقتباس
ووصفي كان يدرك تماما ان ما يرعب اسرائيل هو وحدة العرب واتفاقهم، وكانت دعوة وصفي دائما تنطلق منة هذا المفهوم وهو ان العرب في وحدتهم، وتوظيف ثرواتهم لصالح تقوية مركزهم الدولي وتعزيز مطالبهم العادلة، وكان وصفي يدرك ان من يسير في هذه الدرب سيكون هدفا للتصفية لان هذا هو ما يقلق العدو باستمرار.
كان وصفي التل يهتم بتاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، ويوثق له ويورد ان اول مظهر عسكري لليهود كان في فلسطين عام 1920 حين قاد الكولونيل جابوتنسكي الجنود المسرحين اليهود وهاجم القدس في 4 نيسان 1920، والمسرحين هؤلاء الذين خدمتهم في صفوف قوات الحلفاء في الحرب العالمية الاولى.
ومن ثم تشكل اول حزب صهيوني في ارض فلسطين هو حزب الصهيونيين الاصلاحيين كحزب متطرف انتج فرقا عسكرية ارهابية صهيونية، ومن ثم بدأت خطة انشاء المستعمرات اليهودية التي تسير للان وفق الوتيرة والخطة التي تحدث عنها وصفي قبل 50 عاما، وقد جاء في كتابه موضوعنا في الصفحة 32و33 ما نصه:
« وأنشأ الصهاينة المستعمرات وفقا لخطة الحشد الحربية، فقد جرى توزيعها وطريقة واختيار مواقعها بموجب خطة عسكرية محكمة تجعل من هذه المستعمرات مواقع حصينة متصلة تعطي لليهود ميزة عسكرية مباشرة في حال نشوب اي صراع مسلح «.
ويذكر وصفي اهداف بناء هذه المستعمرات على اساس انها وحدات حصينة مجهزة عسكريا وهي لتغطية منطقة الساحل والسيطرة عليه، وعزل المناطق العربية عن بعضها وانشاء مستعمرات صغيرة تخترق الوسط العربي حين يتعذر اقامة مستوطنة كبيرة.
الشريف الحسين بن علي والأمير فيصل
تحدث وصفي التل عن تاريخ الاتصالات والمفاوضات العربية في سبيل قضاياهم ومصالحهم، وتناول اتصالات ومفاوضات الشريف الحسين بن علي مع بريطانيا وكان على ادراك بالمخططات الصهيونية وكان يعرف خطرهم وهو في الباب العالي في اسطنبول، ولذا كان يرفض اي اتفاق يعرض عليه مع الصهاينة، وحين كان الامير فيصل في مفاوضات مؤتمر السلام في باريس فقد ادرك قوة النفوذ الصهيونية وسطوتهم فقاد مفاوضاته على اساس النفس الطويل لكسب وقت اضافي ويتوقع ان تحدث تغييرات في المواقف الدولية.
ويورد وصفي التل في كتابه دور العقل والخلق في قضية فلسطين: ان الشريف الحسين والامير فيصل كانا يفاوضان ويتحدثان مع وكلاء اليهود ويعلنان ويكتبان عن مفاوضاتهما، ولكن كان القادة العرب يفاوضون سرا ولا يطلعون الاخرين على مفاوضاتهم.
وحين يتناول وصفي التل حرب فلسطين عام 1948م، يتحدث بموضوعية عن دور الجيش العربي الاردني وانتصاراته رغم محدودية الامكانات ورغم الحصار الغربي والعربي، ومنع وصول الاسلحة والذخائر اليه.
ويروي وصفي التل نقلا عن العقيد عبدالوهاب الحكيم قائد اللواء الاول السوري في معارك سمخ ودجانيا قوله:
«كان موقفنا في اليوم المحدد للهجوم رتل قليل العدد ناقص الادوات ضعيف التدريب جاهل كل الجهل بطبيعة الاراضي التي تخوض غمارها وبسكانها وبعددهم و اسلحتهم وتحصيناتهم، وكان لوائي المؤلف من الفي رجل مبعثرا هنا وهناك ولم يكن مسلحا تسليحا كافيا ولا كان مجهزا تجهيزا كافيا ولم تكن افواج اللواء مدربة تدريبا كافيا بل كانت بحاجة للتدريب لما لا يقل عن ثلاثة اشهر لتصبح صالحة ولكن صدر امر بوجوب تدريبها وتهيئتها في بحر اسبوعين «
ويقول وصفي التل عن حرب تداعيات حرب فلسطين 48 قوله :
« نقلت مجلة المصور المصرية اعترافا للواء المواوي قائد الجيش المصري في حرب فلسطين 48 يقول فيه ان هذا الجيش لم يكن مدربا تدريبا كافيا،بل انه لم يقم بمناورة عسكرية واحدة في غضون الفترة التي انقضت بين عامي 1931 الى 1947،وكل ما قام به الجيش المصري خلال تلك الفترة انه كان يشترك في كسوة المحمل والمولد النبوي ومقاومة الفيضانات ومكافحة الجراد والكوليرا وحراسة الوزارات وقمع المظاهرات، وصرح الرئيس جمال عبدالناصر (البكباشي في حرب فلسطين) ان الجيش المصري دخل فلسطين بثلاث كتائب كان يقودها ضباط احداث تخرجوا من الكلية الحربية قبل أن يتموا تدريبهم، ولم يكن الجيش المصري يملك ولو دبابة واحدة ولم تكن لديه حتى أغذية طوارئ وكنا ننقل الجنود في عربات الخضار».
ويورد وصفي التل في حديثه عن موقف الجيش العربي الاردني ان الجنرال كلوب قائد الجيش الاردني قد اعترف انه لم يكن لدى الجيش الاردني ذخيرة للمدافع ولمدافع الهاون سوى القليل الذي يكفينا نظريا لمعركة واحدة».
ولم تكن حالة الجيوش العربية الاخرى بأحسن من احوال الجيوش السورية والاردنية والمصرية، وقد وصف العقيد حسن مصطفى الجيش العراقي بأنه كانت لديه طائرات حديثة من نوع فيوري، ومدرعات ديملر، ومدافع 6 و 17 رطل ضد الدبابات ولكنها كانت كلها بدون عتاد كما ان عتاد المدافع من عيار 25 رطل وهاونات 2 عقدة و3 عقدة كان سيئا. ويضيف كتاب العقل والخلق حقيقة مفجعة بالقول انه بلغ سوء الاستعداد لحرب فلسطين ان بعض الجيوش العربية ومن ضمنها الجيش العراقي لم تكن تملك خرائط لفلسطين».
التواصل الشعبي نهج وصفي
اعتمد وصفي التل سياسة الباب المفتوح، وسياسة الشفافية والاستماع الى كل رأي، وكانت له جولات مكثفة تشمل كل شرائح المجتمع الاردني، وكانت لقاءات وصفي تشمل قطاع المثقفين والاندية والعمال، وله تسجيلات عديدة لمحاضراته التي كان يركز فيها على الوظيفة والواجب والعمل والانجاز، ويشرح الموقف الاردني من قضايا امته.
واحدة من عبارات وصفي التل قالها في محاضرة له يقول فيها :
« ان كل قروض العالم ومساعداته لا تكفي لبناء الوطن وتشييده، وانما يبنى الوطن ويشاد بعرق المواطنين وتضحياتهم وبسواعدهم الملتفة وعزائمهم المتحدة، بسهرهم الدائب وتعبهم الموصول بارادتهم التي لا تقهر وايمانهم الذي لا يضعف ولا يلين « وفي خطاب له في مجلس النواب بعد حصوله على الثقة في حكومته الاخيرة التي تشكلت عام 1970 قال:
الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار يطلق في المناسبات ولكنها هدف مقدس، تفرضه طبيعة المعركة التي نخوضها ضد اعدائنا، كذلك فان الجبهة الداخلية ليست مجرد تعبير تردده الالسن والاقلام، ولكنها محصلة جهود لا تعد ولا تحصى تنطلق من كل اتجاه وتتواجد على كل صعيد ويهتم في خلقها وتكوينها كل مواطن، الا ان الوحدة الوطنية كالجبهة الداخلية ستظل بعيدة عن اي مضمون حقيقي وقدرة فاعلة ما لم تتوفر بالعمل لا القول وفي كل نبضة من نبضات الحياة العامة في الاردن.
معسكرات الحسين للعمل والبناء
في منتصف الستينيات كانت فكرة وصفي للاهتمام بجيل الشباب، رغم انه يقول لا فرق في العمر ابدا حين نتناول مواضيع الاخلاص والانتماء،
ولكن حين لمس وصفي ان هناك تنظيمات معينة اتجهت نحو الاهتمام بالشباب، خرج بفكرة معسكرات الحسين للعمل والبناء التي شملت كل طلبة المملكة في وقت لم تكن فيه اندية شبابية كافية ولا توجد مؤسسات شبابية وكانت كل الامور هذه منوطة بوزارة التربية والتعليم. وكانت فترة العطلة الصيفية هي فترة نشاط دائم على مستوى المملكة لهذه المعسكرات التي كانت مشروع تنمية وبناء عملي بعيدا عن التنظير والمحاضرات والشكليات، بل هي معسكرات تسهم في فتح الطرق وزرع الاشجار وفتح قنوات الري وغيرها.
رصاصات في رؤوس اردنية
لا بد من ادراك ان ثبات السياسة الاردنية ورفضها لكل محاولة لجذب الاردن الى تحالف يخالف مشروع الاردن النهضوي على اساس فكر الثورة العربية الكبرى، وبسبب الشرعية التاريخية والدينية لقيادته الهاشمية، هذه جعلت منه قلعة وطنية تقف في وجه ايدولوجيات الحداثة وعقائد تتجه في كل صوب الى صوب العروبة الاصيلة،
وموقف السياسة الاردنية ثابت من القضية الفلسطينية في حق الدولة وتقرير المصير، برز في مؤتمرات القمة العربية، وفي مساندة الاشقاء الفلسطينيين عربيا ودوليا، وفي الرعاية الهاشمية للقدس ولكل المقدسات، كل هذا كان في مواجهة خطط التقسيم وابتلاع الارض الفلسطينية وتهجير اهلنا من ارضهم وترابهم الوطني، فكانت مشاريع الوحدة الاردنية مع فلسطين والعراق، ومشاريع مقاومة العدو، والتركيز على تحقيق اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية، كل هذه كانت فعلا العامل المشترك في اغتيال الشهداء عبدالله الاول وهزاع ووصفي.
التحق وصفي في جيش الانقاذ الفلسطيني بقيادة فوزي القاوقجي في فوج اليرموك الرابع، واشترك في القتال الذي تمنى ان لا يتوقف، وان يكون قتالا مباشرا وحقيقيا لا ان يتحول الى اروقة المفاوضات ليكون التوقيع على اتفاقيات الهدنة التي هي اول اعتراف بحقيقة الوجود الصهيوني، وهذا ما كان الشهيد وصفي يتمنى ان لا يحصل ودعا لأن تبقى البندقية هي شعار كل عربي والاستشهاد او النصر هو هدفه النهائي.
اللفلفة والفبركة في تشكيل جيش الانقاذ الفلسطيني
استعير هذا العنوان من وصف الشهيد وصفي التل لجيش الانقاذ الفلسطيني في مطلع عام 1948، وقد اورد الشهيد وصفي هذا الوصف في كتابه فلسطين: دور العقل والخلق في معركة التحرير،وقد ورد النص كالتالي: « كانت الاشتباكات والمعارك تدور في جميع ارجاء فلسطين، وسرعان ما ظهر جليا ان جهد العرب لم يكن كافيا،ولم يساعد الجهد العربي وحدات جيش الانقاذ التي كانت تُشكل بسرعة وبصورة تشبه اللفلفة والفبركة المستعجلة، وعرقل مجهود القتال عند العرب الاختلاف على تولي القيادات والمنازعات القديمة التي برزت من جديد في صميم المجهود الحربي وكانت النتيجة ان انعدمت السيطرة على العمليات، كان كل ذي غيرة وحماسة وعن اخلاص وحسن نية يفتح الجبهة التي يريدها في الوقت والمكان الذي يريده. ولم تكن هناك خطة قتال شاملة تنسق هذه العمليات المنتشرة في اماكن مختلفة، ليعذرني القارئ عندما اقول ان هذا الحديث ليس سفرا للبطولات والتضحيات، وقد كانت كثيرة، وانما تاريخ معركة يفترض ان يكون هدفها تركيز الجهد والنصر لا لقصص البطولة والشجاعة الفردية « (انتهى الاقتباس )..
شكلت تجربة جيش الانقاذ للشهيد وصفي التل منعطفا حادا جعلته يرى انه يتناقض كثيرا مع حقائق ووقائع لا علاقة لها في جهد الاخلاص والتضحيات الصحيحة، ورأى ان العرب يرسمون مخطط هزيمة بانفسهم، ولا تعنيهم فلسطين مطلقا، ورأى ان الاردن والاردنيين وقيادة الملك عبدالله الاول هي التي تسير على النهج الصحيح، ومن هنا عندما عاد وصفي الى بيته الاردني كان يردد عن قناعة تامة مقولته الشهيرة «الاردنيون احسن العرب».
تجربة وصفي التل ما قبل العمل في الاردن أوصلته لقناعة حقيقية ان الاجواء العربية غير سليمة مع سيطرة المؤامرة والمصالح الضيقة، وان الكل يريد ان يتخلص من الاخر او ان يقوم بتصفيته، وشعر بحجم المعاناة الاردنية في مواجهة اعباء جسيمة بمفرده دون ساعد او مساندة، وعودته الى الاردن جعلته يقف في صف الوطن بحماسة وتصميم على حماية الاردن من كل الاخطار، ووجد في رجالات الاردن السند الحقيقي على كل صعيد.. رجال مثل ضيف الله الحمود وحابس المجالي وخليل السالم ومحمد عودة القرعان وهزاع المجالي اضافة لصديقه الشخصي المتلازم معه عبدالوهاب المجالي.
كان وصفي يعمل ويخطط ويدون افكاره في كتب منها كتابات في القضية العربية وكتيب صغير اسماه نكسة حزيران والتي كان يرفض دخول الاردن في هذه الحرب الخاسرة وكتاب دور العقل والخلق في معركة التحرير الذي افرد له مساحة من القراءة والتحليل.
سنوات تمضي على استشهاد وصفي التل، رئيس وزرائنا حين نالته يد الغدر والخيانة في 28 تشرين الثاني من عام 1971 في القاهرة وهو يشارك في اجتماعات مجلس الدفاع العربي كوزير دفاع اردني اضافة لكونه رئيس وزراء، وكان الشهيد قد اصر على الحضور رغم عدد من النصائح، ولكنه انطلق من واجب المسؤلية كعربي خبر القضية الفلسطينية وادرك حجم الصراع العربي الاسرائيلي، وهو الذي كان على مدى حياته مقاتلا ومناضلا سياسيا من اجل قضية فلسطين التي قدم لها كل ما يستطيع وعبر عن مواقفه التي تؤكد على حتمية النضال، وضرورة التخطيط لمواجهة الخطر والتحديات.
وصفي كان مناضلا في الميدان وخدم مع قوات الانتداب اولا قبل ان ينتقل الى الخدمة في جيش الانقاذ الفلسطيني، وقاد فوج اليرموك الرابع، وكان يراقب ما يجري على الواقع، واختلف مع فوزي القاوقجي قائد هذه القوات والذي حسب رؤيته لم يكن هذا القائد هو من يريد القتال الفعلي بقدر ما كان اسيرا لتعليمات واوامر تأتيه ممن لا يهمهم امر فلسطين.
دور العقل والخلق في معركة التحرير
حين كتب الشهيد وصفي التل كتابه «فلسطين دور العقل والخلق في معركة التحرير» هذا الكتاب الذي صدر عام 1967 تناول بكل جرأة احوال الصراع العربي الاسرائيلي، وادرك ان الموقف الاردني كان يتجه الى عدم وقف الحرب وعدم قبول الهدنة التي كانت هي فترة اعادة تنظيم القوات اليهودية واعادة ترتيب مواقعهم العسكرية، في الوقت الذي تم ممارسة الضغوط على سوريا ولبنان ومصر للتوقف عند خط التقسيم كما هو مرسوم في قرار 181 بل ان جيشا او اكثر قد كان متجاوزا لخط التقسيم فتراجع الى خلفه.
واذكر انني اعددت دراسة عن اغتيال الشهيد الملك المؤسس عبدالله الاول، وحاولت الاطلاع على الملف السري الموجود في دار الوثائق البريطانية حول هذا الموضوع، لأفاجأ بتمديد مدة حظر الاطلاع عليه لخمسة وعشرين سنة اضافية، وكتبت مقالا حول الموضوع لأتلقى اتصالا من شقيق الشهيد وصفي معالي الدكتور سعيد التل وقال انه اطلع على الملف ولم يكن فيه ما يمكن اعتباره سريا، ولكن معلومات اخرى لدي بان الاوراق السرية الخاصة تسحب منه الى ملف اخر، ولكن ما اريد ذكره هنا ان معالي الدكتور سعيد التل وجه سؤالا الي : هل تعرف ما هو السبب الحقيقي لاغتيال هزاع ووصفي ؟؟ وأردف مجيبا: هو بسبب اخلاصهم للقضية الفلسطينية، وقال هزاع كان يريد اقامة دولة فلسطينية فقضى عليه هذا المشروع، ووصفي كان يريد تنظيم المقاومة ضد العدو على مستوى الوطن العربي فقضى عليه ايضا مشروعه هذا»
الشهيد وصفي كان ينظر الى القضية الفلسطينية كقضية عربية، وجاءت دراسته في كتابه وهو واحد من دراسات اخرى اعدها وصفي، جاءت بناء على اسباب تلخص جانبا من فكر وصفي التل كما جاء في المقدمة في الصفحة 9 حين يقول:
« الاستمرار في طرح القضية الفلسطينية من باب المزاودات والمصلحة السياسية المباشرة واقتناعي العميق ان سبب المأساة في القضية الفلسطينية هو القصور العقلي العربي والخلق العربي خاصة بين الزعماء السياسيين العرب، ولا أمل في المستقبل الا في أن يتسلم العقل والخلق العربي زمام الامور..»
ويذكر وصفي ان الهزيمة العربية قد انتجت هزائم اخرى بايد عربية. فقد ازدادت وتيرة التشكيك والقاء التهم كيفما اتفق وزدنا من مصطلحات لو ولولا. ويقول في كتابه في الصفحة 14 :
« اجمعت معظم الدراسات والبحوث التي عددت اسباب هزيمة العرب في فلسطين على ان الهزيمة كانت مفاجئة ومذهلة على نحو لم يتوقعه احد، بعض هذه البحوث اغرق في عبارات لو ولولا والبعض الاخر اخذ يتهم هذه الجهة او تلك بالتقاعس والعجز بل بالخيانة والتآمر، وتدنى بعض الباحثين لمستوى السخف والهزل، وقد استغلت جهات عربية واخرى معادية هذه البلبلة فاخذت تشجعها وتمدها بمزيد من وقود التزوير، كي يغرق العرب اكثر فأكثر في متاهات الشك والحيرة وفقدان الثقة بانفسهم وقادتهم الى ان ينتهي بهم الامر الى اليأس من الجولات المقبلة او التخاذل في اعداد انفسهم لها، وهذا ما يوشك ان يحدث «. انتهى الاقتباس
ووصفي كان يدرك تماما ان ما يرعب اسرائيل هو وحدة العرب واتفاقهم، وكانت دعوة وصفي دائما تنطلق منة هذا المفهوم وهو ان العرب في وحدتهم، وتوظيف ثرواتهم لصالح تقوية مركزهم الدولي وتعزيز مطالبهم العادلة، وكان وصفي يدرك ان من يسير في هذه الدرب سيكون هدفا للتصفية لان هذا هو ما يقلق العدو باستمرار.
كان وصفي التل يهتم بتاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، ويوثق له ويورد ان اول مظهر عسكري لليهود كان في فلسطين عام 1920 حين قاد الكولونيل جابوتنسكي الجنود المسرحين اليهود وهاجم القدس في 4 نيسان 1920، والمسرحين هؤلاء الذين خدمتهم في صفوف قوات الحلفاء في الحرب العالمية الاولى.
ومن ثم تشكل اول حزب صهيوني في ارض فلسطين هو حزب الصهيونيين الاصلاحيين كحزب متطرف انتج فرقا عسكرية ارهابية صهيونية، ومن ثم بدأت خطة انشاء المستعمرات اليهودية التي تسير للان وفق الوتيرة والخطة التي تحدث عنها وصفي قبل 50 عاما، وقد جاء في كتابه موضوعنا في الصفحة 32و33 ما نصه:
« وأنشأ الصهاينة المستعمرات وفقا لخطة الحشد الحربية، فقد جرى توزيعها وطريقة واختيار مواقعها بموجب خطة عسكرية محكمة تجعل من هذه المستعمرات مواقع حصينة متصلة تعطي لليهود ميزة عسكرية مباشرة في حال نشوب اي صراع مسلح «.
ويذكر وصفي اهداف بناء هذه المستعمرات على اساس انها وحدات حصينة مجهزة عسكريا وهي لتغطية منطقة الساحل والسيطرة عليه، وعزل المناطق العربية عن بعضها وانشاء مستعمرات صغيرة تخترق الوسط العربي حين يتعذر اقامة مستوطنة كبيرة.
الشريف الحسين بن علي والأمير فيصل
تحدث وصفي التل عن تاريخ الاتصالات والمفاوضات العربية في سبيل قضاياهم ومصالحهم، وتناول اتصالات ومفاوضات الشريف الحسين بن علي مع بريطانيا وكان على ادراك بالمخططات الصهيونية وكان يعرف خطرهم وهو في الباب العالي في اسطنبول، ولذا كان يرفض اي اتفاق يعرض عليه مع الصهاينة، وحين كان الامير فيصل في مفاوضات مؤتمر السلام في باريس فقد ادرك قوة النفوذ الصهيونية وسطوتهم فقاد مفاوضاته على اساس النفس الطويل لكسب وقت اضافي ويتوقع ان تحدث تغييرات في المواقف الدولية.
ويورد وصفي التل في كتابه دور العقل والخلق في قضية فلسطين: ان الشريف الحسين والامير فيصل كانا يفاوضان ويتحدثان مع وكلاء اليهود ويعلنان ويكتبان عن مفاوضاتهما، ولكن كان القادة العرب يفاوضون سرا ولا يطلعون الاخرين على مفاوضاتهم.
وحين يتناول وصفي التل حرب فلسطين عام 1948م، يتحدث بموضوعية عن دور الجيش العربي الاردني وانتصاراته رغم محدودية الامكانات ورغم الحصار الغربي والعربي، ومنع وصول الاسلحة والذخائر اليه.
ويروي وصفي التل نقلا عن العقيد عبدالوهاب الحكيم قائد اللواء الاول السوري في معارك سمخ ودجانيا قوله:
«كان موقفنا في اليوم المحدد للهجوم رتل قليل العدد ناقص الادوات ضعيف التدريب جاهل كل الجهل بطبيعة الاراضي التي تخوض غمارها وبسكانها وبعددهم و اسلحتهم وتحصيناتهم، وكان لوائي المؤلف من الفي رجل مبعثرا هنا وهناك ولم يكن مسلحا تسليحا كافيا ولا كان مجهزا تجهيزا كافيا ولم تكن افواج اللواء مدربة تدريبا كافيا بل كانت بحاجة للتدريب لما لا يقل عن ثلاثة اشهر لتصبح صالحة ولكن صدر امر بوجوب تدريبها وتهيئتها في بحر اسبوعين «
ويقول وصفي التل عن حرب تداعيات حرب فلسطين 48 قوله :
« نقلت مجلة المصور المصرية اعترافا للواء المواوي قائد الجيش المصري في حرب فلسطين 48 يقول فيه ان هذا الجيش لم يكن مدربا تدريبا كافيا،بل انه لم يقم بمناورة عسكرية واحدة في غضون الفترة التي انقضت بين عامي 1931 الى 1947،وكل ما قام به الجيش المصري خلال تلك الفترة انه كان يشترك في كسوة المحمل والمولد النبوي ومقاومة الفيضانات ومكافحة الجراد والكوليرا وحراسة الوزارات وقمع المظاهرات، وصرح الرئيس جمال عبدالناصر (البكباشي في حرب فلسطين) ان الجيش المصري دخل فلسطين بثلاث كتائب كان يقودها ضباط احداث تخرجوا من الكلية الحربية قبل أن يتموا تدريبهم، ولم يكن الجيش المصري يملك ولو دبابة واحدة ولم تكن لديه حتى أغذية طوارئ وكنا ننقل الجنود في عربات الخضار».
ويورد وصفي التل في حديثه عن موقف الجيش العربي الاردني ان الجنرال كلوب قائد الجيش الاردني قد اعترف انه لم يكن لدى الجيش الاردني ذخيرة للمدافع ولمدافع الهاون سوى القليل الذي يكفينا نظريا لمعركة واحدة».
ولم تكن حالة الجيوش العربية الاخرى بأحسن من احوال الجيوش السورية والاردنية والمصرية، وقد وصف العقيد حسن مصطفى الجيش العراقي بأنه كانت لديه طائرات حديثة من نوع فيوري، ومدرعات ديملر، ومدافع 6 و 17 رطل ضد الدبابات ولكنها كانت كلها بدون عتاد كما ان عتاد المدافع من عيار 25 رطل وهاونات 2 عقدة و3 عقدة كان سيئا. ويضيف كتاب العقل والخلق حقيقة مفجعة بالقول انه بلغ سوء الاستعداد لحرب فلسطين ان بعض الجيوش العربية ومن ضمنها الجيش العراقي لم تكن تملك خرائط لفلسطين».
التواصل الشعبي نهج وصفي
اعتمد وصفي التل سياسة الباب المفتوح، وسياسة الشفافية والاستماع الى كل رأي، وكانت له جولات مكثفة تشمل كل شرائح المجتمع الاردني، وكانت لقاءات وصفي تشمل قطاع المثقفين والاندية والعمال، وله تسجيلات عديدة لمحاضراته التي كان يركز فيها على الوظيفة والواجب والعمل والانجاز، ويشرح الموقف الاردني من قضايا امته.
واحدة من عبارات وصفي التل قالها في محاضرة له يقول فيها :
« ان كل قروض العالم ومساعداته لا تكفي لبناء الوطن وتشييده، وانما يبنى الوطن ويشاد بعرق المواطنين وتضحياتهم وبسواعدهم الملتفة وعزائمهم المتحدة، بسهرهم الدائب وتعبهم الموصول بارادتهم التي لا تقهر وايمانهم الذي لا يضعف ولا يلين « وفي خطاب له في مجلس النواب بعد حصوله على الثقة في حكومته الاخيرة التي تشكلت عام 1970 قال:
الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار يطلق في المناسبات ولكنها هدف مقدس، تفرضه طبيعة المعركة التي نخوضها ضد اعدائنا، كذلك فان الجبهة الداخلية ليست مجرد تعبير تردده الالسن والاقلام، ولكنها محصلة جهود لا تعد ولا تحصى تنطلق من كل اتجاه وتتواجد على كل صعيد ويهتم في خلقها وتكوينها كل مواطن، الا ان الوحدة الوطنية كالجبهة الداخلية ستظل بعيدة عن اي مضمون حقيقي وقدرة فاعلة ما لم تتوفر بالعمل لا القول وفي كل نبضة من نبضات الحياة العامة في الاردن.
معسكرات الحسين للعمل والبناء
في منتصف الستينيات كانت فكرة وصفي للاهتمام بجيل الشباب، رغم انه يقول لا فرق في العمر ابدا حين نتناول مواضيع الاخلاص والانتماء،
ولكن حين لمس وصفي ان هناك تنظيمات معينة اتجهت نحو الاهتمام بالشباب، خرج بفكرة معسكرات الحسين للعمل والبناء التي شملت كل طلبة المملكة في وقت لم تكن فيه اندية شبابية كافية ولا توجد مؤسسات شبابية وكانت كل الامور هذه منوطة بوزارة التربية والتعليم. وكانت فترة العطلة الصيفية هي فترة نشاط دائم على مستوى المملكة لهذه المعسكرات التي كانت مشروع تنمية وبناء عملي بعيدا عن التنظير والمحاضرات والشكليات، بل هي معسكرات تسهم في فتح الطرق وزرع الاشجار وفتح قنوات الري وغيرها.
رصاصات في رؤوس اردنية
لا بد من ادراك ان ثبات السياسة الاردنية ورفضها لكل محاولة لجذب الاردن الى تحالف يخالف مشروع الاردن النهضوي على اساس فكر الثورة العربية الكبرى، وبسبب الشرعية التاريخية والدينية لقيادته الهاشمية، هذه جعلت منه قلعة وطنية تقف في وجه ايدولوجيات الحداثة وعقائد تتجه في كل صوب الى صوب العروبة الاصيلة،
وموقف السياسة الاردنية ثابت من القضية الفلسطينية في حق الدولة وتقرير المصير، برز في مؤتمرات القمة العربية، وفي مساندة الاشقاء الفلسطينيين عربيا ودوليا، وفي الرعاية الهاشمية للقدس ولكل المقدسات، كل هذا كان في مواجهة خطط التقسيم وابتلاع الارض الفلسطينية وتهجير اهلنا من ارضهم وترابهم الوطني، فكانت مشاريع الوحدة الاردنية مع فلسطين والعراق، ومشاريع مقاومة العدو، والتركيز على تحقيق اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية، كل هذه كانت فعلا العامل المشترك في اغتيال الشهداء عبدالله الاول وهزاع ووصفي.

ليست هناك تعليقات :