» » » » معاهدة أم قيس / 1920 الوثيقة التي أسست للكيان السياسي الأردني الحديث

     
                                                                                                                                                            فرسان نيوز-                                                                                                                                                  
بقلم المؤرخ د احمد عويدي العبادي
أولاً: مع وثيقة أم قيس 1338هـ -1920 م
جرت بين أهالي قضاء عجلون وبين المعتمد السياسي للحكومة البريطانية الميجر سمسرت في قرية مكيس (أم قيس) يوم الخميس الواقع 20 أيلول 1920 بشأن الحكومة العربية الجديدة.
1= مطالب الأهلييّن:
تقبل بأن تشكل حكومة عربية وطنية مستقلة مركبة من لوائي الكرك والسلط وقضائي عجلون وجرش ونطلب بشدة وإلحاح تشبه الحكومة البريطانية بضم لواء حوران وقضاء القنيطرة إلى هذه الحكومة نتمنى أن يتبعها قضائي مرجعيون وصور تحت انتداب دولة بريطانيا العظمى على الشروط الآتية:
1.         أن يكون لهذه الحكومة أمير عربي.
2.         أن يكون لهذه الحكومة مجلس عام لوحدة البلاد وسن القوانين وإدارة الشؤون الداخلية وتنظيم الميزانية.
3.         أن لا يكون لهذه الحكومة أدنى علاقة بحكومة فلسطين.
4.         أن يكون لهذه الحكومة جيش مليء لأجل حفظ النظام وتقرير الأمن فيها ولها الحق بتزيد عدد هذا الجيش إذا رأت خطراً خارجي يتهدد هذه البلاد.
5.         الحكومة الوطنية هي التي لها الحق وحدها بتجريد السلاح أو بقائه بأيدي الأهليين.
6.         إعفاء المجرمين السياسيين في داخل هذه المنطقة وعدم تسليم أي مجرم سياسي كان يلتجأ إليها وكذلك الجرائم العادية المتحدثة من أسباب سياسية.
7.         حرية التجارة بين هذه الحكومة وما جاورها من الحكومات وإعطاءنا حقنا من واردات الجمارك في سوريا.
8.         بما أن سكة الحجاز الحديدة هي وقف إسلامي بحت نطلب من الحكومة البريطانية تداخلها بالمسألة وإعطائها إدارة هذه السكة برمتها إلى حكومتنا الجديدة.
9.         يكون شعار هذه الحكومة الآن العلم السوري ذو النجمة.
10.       الحكومة البريطانية تتجامل معنا بإعطائنا كل ما يلزم من الأسلحة والعتاد والأدوات الفنية اللازمة لمصلحة البلاد.
11.       نكرر طلبنا بأن تكون حكومة بريطانيا العظمى منتدبة على عموم سوريا تأميناً للوحدة 2-أيلول سنة 1920.
مشايخ قضاء عجلون: تركي الكايد، محمد الحمود، ناجي العزام، عقلة المحمد، سليمان السودي، سعد العلي، فالح السليم، مصطفى حجازي، على خلقي، طلال المحمد، رشيد العلي، محمد (أو محمود) الفنيش برهم سماري (أو سماوي)، عبد الله اللافي، عبد الرحمن الرشيدات، بشير المفلح   صالح القاسم الملكاوي، خلف التل، نجيب فركوح عبد الرحمن الشرائري.
2= وصف الوثيقة:
تتألف من ثمانية عشر سطراً هي قوام النص، يحتوي أدناها على كلمتين وأعلاها ممتلئاً من بدايته إلى نهايته دونما وجود هامش وبالإضافة إلى هذه الثمانية عشر سطراً، هناك خمسة أسطر في النصف السفلي من الوثيقة تشتمل على قائمة الموقعين عليها، وعنوانها "مشايخ قضاء عجلون".
أما عدد الموقعين فهم عشرين اسماً في أربعة أسطر. ستة منها في الأول، ومثلها في الثاني، وخمسة في الثالث، وثلاثة في الرابع، وجميعهم من مقطعين ما عدا صالح القاسم الملكاوي الذي كتب اسمه من ثلاثة مقاطع.  أما السماء المشتملة على أسماء العائلات فيه ثمانية أسماء هي: ناجي العزام، محمد الحمود، صالح الملكاوي، عبد الرحمن الرشيدات، عبد الرحمن الشرائري، نجيب فركوح خلف التل.
كتبت الوثيقة على ورقة مسطرة تسطيراً أفقياً متساوي المسافات يفصل بين كل واحد والذي يليه عشرة مليمترات، وفيها اثنان وثلاثون خطأ أفقياً، أما حجم الخط فمتوسط وواضح.  ومن الملفت للنظر أن وضع النقطتين على التاء المربوطة قليل جداً، كما أن الكاتب وضع المدّ الواضح على آلاف قضاء مضافاً إلى الهمزة في نهاية الكلمة.
وفي معرض ذكر البنود استخدام الكاتب الأحرف الأبجدية من أ إلى ل – وهي أ ب ج د هـ وز ح ط ي ك ل. كما أن مواد الوثيقة قصيرة وعميقة.  ولا تزيد أي عن سطر النص الأصلي. كما أن كل مادة من بداية السطر ولي استمراراً لما سبقها.
أما الأسماء الموقعين فقد جاءت في خطوط مستقيمة أفقياً وعمودياً. كما أن العنوان جاء على أنها معاهدة بين أهالي قضاء عجلون والميجر سمسرت. بينما كان عنوان التواقيع: مشايخ قضاء عجلون.
3 = شرح الوثيقة
تتألف من أربعة أقسام هي:
1.         العنوان: وهو سطران يتبعهما عنوان بكلمتين.
2.         المقدمة: وهي سطران وجزء من السطر الثالث.
3.         البنود: وعددها اثنا عشر بنداً. كل واحد منها في سطر مستقل. بغض النظر عن طوله أو قصره.
4.         تواقيع مشايخ عجلون، وعددها كما قلنا عشرين توقيعاً وقد سبق ووصفنا الكيفية وذكرنا الأسماء.
وحيث لا توجد كلمات واصطلاحات عشائرية صعبة. فلا ضرورة لشرحها مستقلة.
العنوان:
1.         استخدمت كلمة "صورة" لأنها تجسِّد ما يدور في خلد النفوس سواء من طرف الأهالي أم من الطرف البريطاني.
2.         استخدمت كلمة "معاهدة" مما يعطيها قوة وأهمية. ويضفي عليها طابعاً سياسياً لا عشائرياً، ويعطيها وضعاً عاماً ورسمياً. لا شخصياً أو عارضاً.
3.         أن بنود هذه المعاهدة، هي محصلة التفاوض بين أهالي قضاء عجلون من جهة، وحكومة بريطانيا ممثلة بالميجر سمسرت من جهة أخرى، وقد وصف هنا بأنه المعتمد السياسي للحكومة البريطانية.
4.         كانت عجلون آنئذٍ من درجة قضاء.
5.         يبين العنوان أن مكان المفاوضات والمعاهدات كان في قرية أم قيس شمال اربد، والتي كتبت بالوثيقة مثلما تلفظ "مكيس".
6.         تاريخ الاتفاق هو الثاني من أيلول العام 1920.
7.         موضوع الاتفاق بخصوص الحكومة العربية الجديدة.
وبذلك نرى أن الهدف كان تشكيل حكومة عربية في شرق الأردن.  وأن هذه الحكومة جديدة تختلف عن تلك التي في سوريا وفلسطين والحجاز والعراق.
فالأهالي ممثلين بشيوخهم رأوا أن الهيمنة على المنطقة قد آلت إلى أيدي البريطانيين.  وبالتالي فإنها الدولة الأفضل – في نظرهم – والأقوى للتعامل والتفاوض معها.  من أجل تحقيق الأماني الوطنية الإقليمية التي كانوا يتوقون إليها والحفاظ على شرق الأردن ككيان مستقل موحد مرتبط ببريطانيا.
4 = الضباط البريطانيون يتجسسون على الأردنيين
ويتضح من العنوان أن بريطانيا كانت تُوفد ضباطها ومنهم سمسرت لاستطلاع الآراء – وهو ما أوضحناه في الجزء الأول من كتابنا: في ربوع الأردن جولات ومشاهدات 1987 – ولتقرر ما ستفعله، أو أنها كانت تمهد لأمر ما، ـ يمكن استشفافه واستنتاجه من خلال استطلاع الأحداث التي عقبت الحرب العالمية الأولى والثانية إلى يومنا هذا في نهاية الثمانينات من القرن العشرين.
ويتضح اهتمام الحكومة البريطانية بالأردن. من خلال نصِّ هذا العنوان المتفق مع ما أورده السير إليك كركبرايد في كتابه A Crackle of Thorns الذي ترجمناه إلى العربية بعنوان: خشخشة الأشواك، حيث يقول ما نصّه في الصفحة الثلاثين من ترجمتنا العربية: "وفي خلال هذه الفترة (أي في عام 1920) خضعت كل من شرق الأردن وفلسطين للانتداب البريطاني وذلك في تموز عام 1920. وفي وسط ثنايا أمر الانتداب كانت حكومة التاح البريطاني مشغولة للغاية في إقامة إدارة مدنية في فلسطين. كما كانت في الوقت نفسه تعمل جاهدة لتحقيق غايات بعيدة المدى في شرق الأردن. لتكون هذه الأرض الأردنية احتياطاً لاستخدامها في إعادة إسكان واستقرار عرب فلسطين.  عندما تصبح فلسطين دياراً يهودية.  وهو العهد الذي قطعته بريطانيا على نفسها أن تحققه وتدعمه. ولم تكن هناك أية نية لتشكيل حكومة عربية مستقلة في شرقي الأردن حتى ذلك الحين (أي عام 1920)".
إذن فالانتداب كان مفروضاً على البلاد، سواء أكان معلناً أم لم يكن، وما إرسال الميجر (الرائد) سمسرت إلى الشمال، وكركبرايد إلى عمان، وشقيقه مؤلف الكتاب أعلاه (أليك).  إلا جزءاً من هذا التحرك لاستطلاع الأهلين، ومعرفة الصورة الصحيحة التي يمكن بها إبراز وجه الاستعمار، بطريقة تبدو حضارية ومقبولة لدى الناس، لا بل ومطلوبة من هؤلاء الناس بإلحاح شديد.
لقد كان الهدف الأول للحكومة البريطانية حسبما يقول كركبرايد، أن تتخذ من الأردن قاعدة لإعادة تسكين وإقامة الفلسطينيين المهجرين من ديارهم بعد إقامة الدولة اليهودية هناك. وهو أمر تم بطرق كثيرة، وتحت شعارات يحميها القانون والعطف الإنساني، وتظلها المبادئ الثورية والقومية.
إذن الانتداب كان مفروضاً قبل هذه الاتفاقية.  والتفكير بإنشاء حكومة عربية مستقلة لم يكن وارداً إلى الآن (1920) إلا أن هذه الوثيقة هي أول نص يقع بين أيدينا يطالب بإقامة هذه الحكومة فوق هذه الأرض وهي شرق الأردن.
وبعد التباحث بين الأهلين والمندوب البريطاني، توصل الفريقان إلى هذه المعاهدة، ووضعوا جملة: مطاليب الأهليين، عنواناً صغيراً يسبق مقدمة الوثيقة، ويعقب عنوانها الطويل المشروح أعلاه.
5 = المقدمة
1.         القبول بتشكيل حكومة عربية وطنية مستقلة.  ويبدو أن هذا العرض كان إجهاضاً للشعور الديني بضرورة بقاء الخلافة.  وهيمنة الدولة الإسلامية: وسحقاً للشعور القومي الذي كان يميل نحو إقامة دولة عربية واحدة نادت بها النخبة العربية آنذاك.  ووعد الحلفاء بتحقيقها لقاء تحطيم السلطان التركي فوق أراضي الجزيرة العربية وبلاد الشام والأردن والعراق وفلسطين.
وحيث أن الأردنيين بطبعهم يميلون نحو السيادة والأنفة.  فإن قبولهم بحكومة وطنية كان خيراً لهم من أن يكونوا تبعاً لغيرهم من الحكومات والبلدان.  لذا جاءت الصيغة: نقبل ولم يقولوا: نطلب، كدليل واضح أن الأمر جاء عرضاً من الحكومة البريطانية عبر الميجر سمسرت.
2.         إن كلمة حكومة تعني نقصانها وحاجتها إلى وجود رأس للنظام. وهو ما وضحه البند الأول من المعاهدة في أنه يجب أن يكون لهذه الحكومة أمير عربي. إنهم يقبلون بحكومة مستقلة ووطنية، وبذلك نجد تجاهل المشاعر الدينية.  وتناسي الخلافة: وتناسي الدولة العربية الواحدة، ولم يبق لهذه الحكومة من العروبة إلا الاسم، دونما بناء أو جسم قومي.
3.         أشارت المقدمة إلى الأماكن التي يجب أن تتألف منها هذه الحكومة, وهي: لواء الكرك، ولواء السلط، وقضاء عجلون، وقضاء جرش، وهي تشكل شرق الأردن.
4.         هناك إشارة هامة، ذات عمق تاريخي، وهي أن الأردن القديم يشمل لواء حوران وقضاء القنيطرة ومنطقة صور، بل إن صور كانت في إحدى مراحل التاريخ مركزاً لجند الأردن، كما كانت طبريا عاصمته تارة. وبيسان تارة أخرى. مثلما وضحنا في كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين من 13هـ -900 هـ.
ويبدو أن بريطانيا كانت تنوي ضم لواء حوران. وقضاء القنيطرة إلى الأردن أي ضمن مجال انتدابها. غلا أن فرنسا – صاحبة الانتداب على سوريا – كانت ترفض ذلك ويبدو أن خلافاً بين الدولتين كان قائماً على أشده من وراء الكواليس. وأن بريطانيا كانت تعمل جاهدة لدعم مطالبها ورغباتها وحججها بموافقة الأهلين.  فجاءت هذه العبارة في مقدمة المعاهدة: "ونطلب بشدة وإلحاح تشبث الحكومة البريطانية بضم لواء حوران وقضاء القنيطرة إلى هذه الحكومة". لقد جاءت صيغة المادة وكأنها تعني أن الأهالي هنا على استعداد للمقاومة والحرب في سبيل ضم هذه الأجزاء إلى الأردن.  وبمعنى آخر إلى الانتداب البريطاني.
ويبدو أن بريطانيا استغلت عمق الروابط العصبية والنسبية بين أهالي شمال الأردن وأهالي لواء حوران.  وضربت على هذا الوتر، واتخذت من براءة الناس مركباً تمتطيه لتحقق أهدافها من خلاله.  وتتفاوض به بقوة مع فرنسا – عدوها اللدود في المغانم وشريكها في اقتسام البلاد.
5.         اشتملت المقدمة على تمنيات على بريطانيا لإتباع قضائي مرجعيون وصور ليس إلى الحكومة العربية فحسب. بل وتحت الانتداب البريطاني أيضاً. إذن فالمصلحة المتحققة هنا. ليست مصالح الأهلين، بل مصالح بريطانيا، التي جاءت تضع السم بالدسم. وقد لبست فروة المنقذ الأعظم. وثوب البراءة البيضاء والإحسان الذي يدعي الخير وهو لا ينطوي إلا على الغير.
 6 = بنود الاتفاقية
جاءت البنود على أنها شروط لتحقيق إقامة حكومة عربية مستقلة تتألف من أراضي شرق الأردن وجنوب سوريا ولبنان.  وإن كانت الأجزاء الأخيرة. في المفهوم التاريخي جزءاً من الأردن الذي تحدثت عنه الكتب القديمة أما الشروط فهي التالية:
أ. البند الأول:
أن يكون لهذه الحكومة أمير عربي وفي هذا النص مفهومان هامان هما:
1.         ترسيخ مفهوم خضوع المنطقة بأجمعها لحاكم واحد على أن يكون أميراً عربياً يشكل القاسم المشترك الأعظم بين الناس، يقبلون به دون تحديد هويته أو شخصيته، ويخضعون له وحيث أن هذا الشرط لم يكن متحققاً في سكان شرق الأردن آنذاك، فإنه يبرز الأمر واضحاً أن هناك لعبة دولية كان يجري التمهيد لها.  وهو ما يراه كل من يقرأ تاريخ المنطقة فيما بعد، هذا من جهة المفهوم الشعبي العام.
2.         أما المفهوم البريطاني لذلك: فهو أن هدفها تحقيق مطامعها ومطامحها. وليس مهماً عندها من يكون هذا الأمير أو الحاكم. طالما أن الأمور تسير حسب رغباتها وتخطيطها فالأمير الذي سيأتي سيكون تحت رحمة بريطانيا وهي لا شك ستبرز هذه الوثيقة لإفهامه أنها هي التي أقنعت الناس بقبوله والمناداة به.  وأنها قادرة على عكس ذلك أيضاً. إذن فهي المحرك للأحداث والأشياء. وهي عنها بعيدة في ظاهر الأمر. بينما هي متورطة في كل شيء في حقيقة الأمر.
فالحكومة عربية وطنية مستقلة. ولكن رئاستها شاغرة الأمر الذي يستدعي ملؤها بأمير عربي لم يعرف ولم يذكر القوم اسمه حتى وقت توصلهم إلى هذه الاتفاقية.
ب. البند الثاني:
جاء البند الثاني مخصصاً لمجلس هذه الحكومة وقد اشتمل هذا البند على النقاط التالية:
1.         أن يكون لهذه الحكومة مجلس عام دونما إشارة إلى عناصره ورجالاته وتفاصيله. ولكن المفهوم الواضح هنا. أن يكون الأعضاء: أردنيون من مناطق شرق الأردن المشار إليها هنا بكلمة البلاد. لأن الهدف هنا تحقيق وحدتها وضمان سيرها واستمرارها جغرافياً وسكانياً. كما أن المادة تخلو من ذكر أو تحديد مواصفات أعضاء المجلس أو ثقافتهم أو عددهم.  فقد جاء الكلام عاماً على الطريقة الإنجليزية: ولكن لا يمكن أن يكون عضواً إلا من كان أردنياً ممثلاً لشرائح واسعة من الأردنيين.
2.         إن هدف المجلس هو ضمان وحدة البلاد. وذلك ما يشير إلى عمق وسعة المفهوم الوطني لدى الناس وأن المفهوم الجغرافي والوطني للأردن كان واضحاً عندهم حتى ولم لم يرد ذلك صراحة ف بنود الوثيقة فالوحدة بين أجزاء الوطن هي الأساس وهي الهدف وهي الأولوية التي تأخذ الأهمية القصوى والعليا.
3.         يقوم المجلس العام بسنّ القوانين.
4.         يقوم بإدارة الشؤون الداخلية.
5.         يقوم بتنظيم الميزانية – وقد أشارت البنود اللاحقة إلى موارد الميزانية.
فمن الواضح إذن أن القوم مدركون لأهمية سن القوانين لتنظيم شؤون الحياة العامة وضرورة إدارة البلاد من الداخل ليكون القوم بمستوى المسؤولية وليشعر الناس بوجود إدارة لا تتوانى عن خدمتهم.
ج. البند الثالث:
جاء البند الثالث بكلمات صريحة واضحة، وهي وضع شرط فيما بين الأهالي وحكومة بريطانيا مفاده ألا يكون لحكومة شرق الأردن أدنى علاقة بحكومة فلسطين ويمكن استخلاص النقاط التالية من هذا البند:
1.         من الواضح أن بريطانيا تسعى للانفراد بفلسطين لتسليمها في نهاية المطاف إلى اليهود ولطرد الفلسطينيين العرب منها وإعادة إسكانهم واستقرارهم في شرق الأردن. ويبدو جلياً أن الزعامات الاجتماعية الأردنية كانت تدرك هذه النقطة وتدرك معها أيضاً أن الأمر سيفذ رغبة أو عنوة لذا كان همهم إنقاذ الأردن من هذا البلاء. لكيلا يكون وطناً بديلاً لأنه في حالة وجود علاقة بفلسطين فستكون الهجرة إلى الأردن امتداداً لهذه العلاقة وفي حالة انقطاعها فإن الأمر سيكون حينها أخف وطأة على الأردن والأردنيين.  وهذا ما أثبته التاريخ فيما بعد وتخوف منه الأردنيون من قبل.
وإذا نظرنا إلى تطور المفهوم الوطني لدى الإنسان العربي وجدناه شمولياً زمن الدولة الإسلامية حيث كان الفرد ينظر إلى ديار الإسلام على أنها وطن واحد يقابلها دار الحرب أو دار الكفر. حتى إذا ما آلت أو كادت الدولة العثمانية التي كانت تدعي رعايتها للإسلام على السقوط والاندحار برزت القوميات وأصبح مفهوم وطن القومية كقولنا: الوطن العربي والوطن التركي، والوطن البلطيقي ... وهكذا.
إلا أن المفهوم القومي لم يطل كثيراً وبرزت من ثناياه المفاهيم الوطنية الإقليمية – أي مفهوم التقزم والتشرذم لأن ذلك أيسر على الاستعمار الذي يحكم في جو الفرقة. كما أن أنفس الناس هيئت لقبول مثل هذا المفهوم وتبينه والعمل من أجل تحقيقه وهو لا يزداد مع الأيام إلا شدة ورسوخاً.
من هنا، نجد أن البند الثالث من الاتفاقية ما هو إلا مصلحة لمفهوم جديد وهو المفهوم الوطني بل إن هذا المفهوم أصبح وسيلة لإنقاذ الذات الإقليمية.  رغم أن ضياع الجزء الآخر يكمن في اعتقاد أصحاب الإقليمين في ضرورة تباعدهما.
ولو أن شرق الأردن خضعت للإدارة في فلسطين لأصبح الأردن جزءاً من وعد بلفور ولأصبح مكاناً لليهود إلا أن أهله كانوا يريدون إنقاذه. وبالتالي قطع الجذور أو حبال الاتصال مع مصدر الخطر المحتمل وبالمقابل كان بريطانيا تريد من الأردن أن يكون موطناً لطرفين هما: الأمير العربي الذي يريدون المجيء به.  والشعب العربي الذي سيطردونه من أرضه وأما الأردنيين فيريدونه لهم. وبعيداً عن المخططات البديلة. أي أن يكون بديلاً للآخرين.
وبناءً عليه فإن قطع علاقتها بفلسطين يعني أيضاً قطع خط الرجعة على تهجر شعبها إلى الأردن وعلى هذا الأمير الذي لم يعرف اسمه حتى تاريخ توقيع الاتفاقية وهو الثاني من أيلول لعام 1920. أقول قطع الطريق عليه من أن يطالب بفلسطين كجزء من المملكة العربية الموعودة أو المطالبة بالأردن كوطن بديل.
إذن فالتخطيط البريطاني يقوم على الانفراد بفلسطين والانفراد بالأردن ليغيب الاسم الأول فيما بعد ويسمى إسرائيل ويضم الجزء المتبقي منه إلى الأردن وبذلك ينتهي اسم فلسطين ليس من الخارطة والجغرافيا بل ومن عالم السياسة والاجتماع والتاريخ؟! وهو أمر لن يتحقق عملياً وإن تحقق نظرياً.
2.         التفرد بفلسطين ليس بقطع علاقاتها مع جاراتها فحسب بل وبحكمها حكماً مباشراً وضبط كل شيء يتعلق بالأرض والإنسان والهجرة اليهودية تمهيداً لإقامة دولة إسرائيل.
3.         إن طبيعة الشعب في الأردن متباينة عن طبيعة الشعب الفلسطيني. ذلك أن طابع البادية والأنفة من الخضوع للدولة من سمات الشعب الأول. بينما يتميز الشعب الفلسطيني بالطبع المدني وما يرتبط به من الخضوع للسلطة والدولة. وهو ما لم يكن الأردني يقبله بتاتاً. إذن كانت هناك تباينات في ثقافة كليهما حيال المفاهيم السياسية والإدارية.
البند الرابع:
أن تمنع المهاجرة الصهيونية بتاتاً إلى داخلية هذه الحكومة ويمنع بيع الأراضي إليهم.
يشتمل البند على نقطتين غاية في الأهمية والخطورة كما أن ذكرهما يشير إلى الوعي السياسي والانتماء الوطني الذي كان سائداً لدى الزعامات الاجتماعية عند العشائر الأردنية.
أما النقطتين فهما:
1.         منع الهجرة الصهيونية إلى شرق الأردن ذلك أن هذه البلاد تقع ضمن المطامع الصهيونية. وإن القارئ لما أورده الرحالة الإنجليزي Cinder.  في كتابه Health and Mo'ab ليجد أن البحث كان جارياً لتحديد مواقع في شرق الأردن لترتيب هجرة اليهود إليها. وأن كوندر نفسه اختار منطقة جرش الغربية لهذه الغاية ثم عدل عنها لصعوبة الاتصال بالعالم الخارجي والبعد عن البحر وبذلك كان للغزوات دور مهم في الحيلولة دون استخدام الأردن كموقع للاستيطان اليهودي.
ويبدو من خلال هذه النقطة أن الوكالة اليهودية عملت جاهدة للاتصال ببعض الشخصيات الأردنية. من ذوي النفوذ العشائري لتطبيق العلاقة معهم وإيجاد القبول في أنفسهم لمفهوم بيع الأراضي واستيطان اليهود.
ولا شك أن القارئ لوثائق حسين الطراونة ليجد حملات شديدة على هذه الشخصيات التي آثرت بيع الوطن على حمايته والتعامل مع الوكالة اليهودية على طردها وحربها.  ورغم أن هذه الوثيقة ووثائق حسين الطراونة لا تذكر مل هذه القيادات والزعامات الاجتماعية بالاسم إلا أنهم معروفون للشعب الأردني بالرواية المتواترة وبما وصل إليهم مما نشرته الكتب في الخارج.
إن الهجرة إلى هنا تعني تحويل الأردن إلى وطن قومي لليهود وإن العلاقة مع الحكومة الفلسطينية تعني تحويل الأردن إلى وطن بديل وكلاهما: القومي والبديل مفهومان لدى الزعامات الأردنية للعشائر الأردنية ومرفوضة منها هذا باستثناء ممن لم يحترموا الوطن ولم يخافوا لعنة التاريخ والأجيال.
2.         بيع الأراضي فالوطن هو الأرض بالدرجة الأولى ثم حب الأرض والانتماء إليها ويضاف إلى ذلك الدفاع عنها وإعمارها وإن بيع الفرد لأرضه يعني في النهاية التفريط بالوطن.
ولا شك أن الوكالة اليهودية كانت نشطة في شراء الأراضي بفلسطين. وكانت ترغب بممارسة الأمر نفسه في شرق الأردن وتسميها شرق فلسطين وإن مثل هذه الأعمال والمخططات تهدد وجود الإنسان الأردني كما أن الوعي لدى الأردنيين قد بلغ ذروته لذا رفضوا وبشدة بيع الأراضي إلى شذاذ الآفاق وأعلنوا ذلك للحكومة البريطانية كما هو واضح في هذا البند.
هـ. البند الخامس
ويتعلق الجيش حيث جاء نصه: "أن يكون لهذه الحكومة جيش ملي لأجل حفظ النظام وتقرير الأمن فيها ولها الحق بتزييد عدد هذا الجيش إذا رأت خطراً خارجي يتهدد هذه البلاد".
ركز هذا البند على نقطة هامة وهي تكوين جيش لهذه الحكومة ولكن ضمن المواصفات التالية:
1.         أن يكون الجيش ملياً: أي وطنياً محلياً مؤلفاً من أبناء البلاد الأصليين. لأن ذلك يساعد على تكوينه بأقل التكاليف كما يدعمه في أداء مهماته. ويأخذ بيده نحو النجاح الأفضل.
2.         أن يناط بهذا الجيش حفظ النظام وتقرير الأمن. أي أن مهمته مقصورة على داخل البلاد وليس بالمستوى الذي يستطيع به شن هجمات على دول مجاورة سواء لغايات تلبية النجدات أو لتحقيق الأطماع والتوسعات.
ويبدو جلياً أن الجيش العربي بشرق الأردن بعد تأسيس الإمارة فيها كان يحقق غاية حفظ النظام المنصوص عليه في هذه الوثيقة.  مما يدل على أن الأمر ضمن الاستراتيجية البريطانية العامة بغض النظر عن الأفراد والزعامات والسنوات.
ولا توجد إشارة إلى أي دور لهذا الجيش للحرب على أرض فلسطين أو سوريا ضد اليهود في الأولى والفرنسيين في الثانية بل إن واجبه مقصور على الأمن الداخلي الذي يشغل بال الناس مع الانقطاع عن أي اتصال قومي أو ديني أو أداء أي واجب في مجاليهما.
3.         من الواضح أن عدد الجيش لا بد ويكون قليلاً وإن المهام قد تزداد وتتسع حتى ضمن المدى الأمن وحفظ النظام كما أن بريطانيا قد تجد نفسها بحاجة إلى هذا الجيش ليكون قوياً لاستخدامه في أغراض خارجة عما نصت عليه الوثيقة.  وحيث تلتقي الرغبات المتناقضة ورغم تباين الأهداف فإن المؤتمرين احتاطوا لهذا الطارئ ووضعت النقطة وكأنها من رغبات الأهلين في أن للحكومة الوطنية حق بزيادة عدد الجيش.
4.         اقترنت الزيادة ظاهراً بالدفاع عن هذه الدولة أمام المخاطر الخارجية.  أما بالنسبة لبريطانيا فإن هدفها هنا غير معلن وإن ظهر حقها في استخدام هذا الجيش في البند الأخير (ل) الذي ينص على أنها منتدبة على عموم سوريا تأميناً للوحدة.
إذن فجيش هذه الدولة محلي محدود.  مهمته دفاعية لا هجومية وقد يستخدم ضد أي دولة عربية أخرى ضمن مبدأ الدفاع بسبب الخطر الخارجي الذي يتهدد البلاد هذا في مفهوم بريطانيا غير المعلن.  أما في مفهوم الزعامات الأردنية فهو الدفاع عن الوطن الأردني وزيادة أعداد الجيش في حالة تعرض البلاد لأي خطر خارجي أي من خارج الأردن بغض النظر عن المصدر أو النوع.
إنها بالنسبة لهم نظرة وطنية هامة تساعدهم في الاستقرار والبعد عن القلقلة التي أورثتها الحرب العالمية الأولى وشرذمة الأوطان وتمزيق الشعوب.  فالأفضل إذن هو التمسك بوحدة الأردن أرضاً وشعباً وجيشاً وأمناً ونظاماً وحكومة وهذا واضح للغاية في بنود هذه الاتفاقية.
و. البند السادس:
وينص على ما يلي:
"الحكومة الوطنية هي التي لها الحق وحدها بتجريد السلاح أو بقائها بأيدي الأهليين".
لا شك أن حمل السلاح عادة يعتز بها الأردنيون.  وقد يكون شعبنا من أكثر إن لم يكن أكثر الشعوب في العالم رغبة وحباً وممارسة لحمل السلاح لأنه جزء من تقاليدهم وعاداتهم وتفاخرهم بالرجولة.
وقد روى والدي صالح سليمان عويدي العبادي الذي كان طفلاً عند انتهاء الحرب الكونية (العالمية) الأولى إن السلاح كان متوفراً للغاية في أيد الناس حيث كانوا يحصلون عليه من الجنود الأتراك سلباً أو شراء أو بالعثور على مخازن السلام بعد انسحاب الجيش التركي. من هنا فإن تلك الفترة وهي نهاية الحرب وفي العشرينات من القرن العشرين كانت فترة التسلح بحيث من النادر أن تجد بيتاً أو رجلاً بدون بندقية.
وأذكر شخصياً أن مثل هذا الوضع أي تداول السلاح بكثرة كان سائداً بعد حرب 1967 حيث كان المهربون يجمعون السلاح من مواقع الجيش المصري بسيناء ويبيعونها للناس ثم أصبح الوضع مماثلاً بعد الهجوم الإسرائيلي على لبنان في عام 1982. وهكذا الأمر في كل بلد في العالم في أعقاب حرب فيها طرف خاسر إلى درجة الهزيمة.
من هنا فإن الوقت الذي وقعت فيه الوثيقة كان من أوقات توفر السلاح وهو أمر يخيف البريطانيين الذين أصدروا تشريعات في فلسطين تحرم حمل السلاح وإلى درجة أن حامله يعاقب بالإعدام ويبدو أنهم (أي البريطانيون) حاولوا تطبيق ها القانون على سكان شرق الأردن وهو أمر متعذر ومسبب لقلق الناس أيضاً.
ويبدو جلياً أن الزعماء الأردنيين والأهالي قد رفضوا هذا الاقتراح إلى درجة أنه كان يمكن أن تسبب انهيار الاتفاقية والاتصال بالإنجليز من حيث أتى. لذا توصل الطرفان إلى حل وسط مقبول منهما وهي أن الحكومة الوطنية هي صاحبة الحق والصلاحية في تجريد الناس من سلاحهم أو بقائه في أيديهم.
وعلى أية حال فإن كلمة الوطنية تجعل الأهليين يطمئنون إليها. كما أن بريطانيا ترى أنها تستطيع أن توعز لهذه الحكومة القيام بعمل ما أو الإحجام عنه. وهي بذلك تستخدم غيرها لتنفيذ مخططاتها أما القائمين على الحكومة الوطنية أو المطالبين بها فلا يدرون أنها ستكون رهن الإشارة البريطانية بينما يعرف المأجور س

عن المدون الاستاذ مالك عبيدات

مدون عربي اهتم بكل ماهوة جديد في عالم التصميم وخاصة منصة بلوجر
»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد

.

المجتمع والناس